عثمان بن جني ( ابن جني )
228
الخصائص
العالم ، وأن ينسب إليه أن الأقوى منهما هو قوله الثاني الذي به يقول وله يعتقد ، وأن الأضعف منهما هو الأوّل منهما الذي تركه إلى الثاني . فإن تساوى القولان في القوّة وجب أن يعتقد فيهما أنهما رأيان له ؛ فإنّ الدواعي إلى تساويهما فيهما عند الباحث عنهما هي الدواعي التي دعت القائل بهما إلى أن اعتقد كلا منهما . هذا بمقتضى العرف ، وعلى إحسان الظن ؛ فأمّا القطع الباتّ فعند اللّه علمه . وعليه طريق الشافعىّ في قوله بالقولين فصاعدا . وقد كان أبو الحسن ركّابا لهذا الثّبج " 1 " ، آخذا به ، غير محتشم منه ، وأكثر كلامه في عامّة كتبه عليه . ( وكنت إذا ألزمت عند أبي علىّ - رحمه اللّه - قولا لأبى الحسن شيئا لا بدّ للنظر من إلزامه إيّاه يقول لي : مذاهب أبى الحسن كثيرة ) . ومن الشائع في الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس تتبّع به كلام سيبويه ، وسمّاه مسائل الغلط . فحدّثنى أبو علىّ عن أبي بكر أن أبا العبّاس كان يعتذر منه ويقول : هذا شيء كنّا رأيناه في أيّام الحداثة ، فأمّا الآن فلا . وحدّثنا أبو علىّ ، قال : كان أبو يوسف " 2 " إذا أفتى بشئ أو أملّ شيئا ، فقيل له : قد قلت في موضع كذا غير هذا يقول : هذا يعرفه من يعرفه ؛ أي إذا أنعم النظر في القولين وجدا مذهبا واحدا . وكان أبو علىّ - رحمه اللّه - يقول في هيهات : أنا أفتى مرّة بكونها اسما سمى به الفعل ؛ كصه ومه ، وأفتى مرّة أخرى بكونها ظرفا ، على قدر ما يحضرني في الحال . وقال مرّة أخرى : إنها وإن كانت ظرفا فغير ممتنع أن تكون مع ذلك اسما سمّى به الفعل ؛ كعندك ودونك . وكان إذا سمع شيئا من كلام أبى الحسن يخالف قوله يقول : عكّر الشيخ . وهذا ونحوه من خلاج الخاطر ، وتعادى المناظر ، هو الذي دعا أقواما إلى أن قالوا بتكافؤ الأدلّة ، واحتملوا أثقال الصّغار والذّلّة . وحدّثنى أبو علي : قال : قلت لأبى عبد اللّه البصرىّ : أنا أعجب من هذا
--> ( 1 ) ثبج كل شيء : معظمه ووسطه وأعلاه ، والجمع أثباج وثبوج . ( 2 ) هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشىّ الزهرىّ أبو يوسف المدني ، نزيل بغداد ، من شيوخ الإمام أحمد بن حنبل ، مات سنة 208 ، انظر تهذيب الكمال 32 / 310 .